منذ وجدت الحضارات المختلفة وهي في صراع سلبي حينًا، يتمثل في تسابقها إلى تعظيم وجودها من خلال الجغرافيا والتنسيب البشري وتحقق المنجزات الثقافية والاجتماعية، وفي صراع إيجابي أحيانًا، يتمثل في حوار يصب أخيرًا في صالح البشرية، من خلال اندماج يثمر تطورًا.
للأديان مثال مشابه. إلا أن البعد الروحاني السماوي للأديان بمنح تصارعها بعدًا إضافيًا، وهو بعد ماورائي، يرابض أتباع كل دين خلفه، مقتنعين بما لا يترك مجالًا للشك في أن ما يؤمنون به هو الصحيح، وما الآخر، أي آخر، إلا الباطل بعينه. فيسعى أتباع كل دين بالتبشير بتعاليم دينهم، أو نشره وتوسيع رقعة أتباعه بالحسنى.
في مقطع الفيديو المرفق، الذي نشره موقع "ايلاف" يقف مبشر أميركي على حجر، يبشر في الناس ويدعوهم إلى الاقتراب من ربهم، على ما يقول به دينهم. فيقف في ظله رجل مصري مسلم، يبادر فورًا إلى مقاطعته داعيًا إلى التوحيد والاسلام، بادئًا كلامه بأن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، ثم مطلقًا تهم الكذب والاشراك بوجه ذاك المبشر المسيحي، الذي ما كان له إلا أن جاهد في رفع صوته، محاولًا التغطية على صوت المسلم المرتفع، مدفوعا بحماسة لينقض ما يقوله للناس. تتصارع الأديان، لا تتعلم الحوار، على الرغم من أن المبادرة الأمثل في هذا المجال أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، لكن يبدو أن الأميركي أو المصري في هذا الفيديو لم يسمعا بهذه المبادرة، التي تقوم في الأصل على احترام متبادل للتعاليم السماوية، وعلى انتهاج الحوار قناةً للتعامل.